أبي منصور الماتريدي
159
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وصفهم بشدة الخوف كأنما يساقون إلى الموت وقد وعد لهم النصر والظفر بقوله : وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وكيف استغاثوا ربهم في ذلك وقد سبق منه لهم الوعد بالظفر والنصر « 1 » . [ قيل : ] قد يمكن أن تصرف الآية إلى المنافقين ، وهو قوله : كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ غير أنه ذكر في بعض القصة أنه لم يكن ببدر منافق بل كانوا كلهم مؤمنين حتى افتخر بذلك من شهد بدرا ، أو إن كان في المؤمنين فهو ما ذكرنا لقلة عددهم وضعفهم وكثرة أولئك وعدتهم كانوا كما وصف ، والله أعلم . لكن الآية تحتمل وجوها : أحدها : أمكن أن يكون الوعد لهم بالنصر بين لرسوله ولم يبين لهم ؛ فألقى في قلوبهم الرعب والخوف لما لم يبين لهم الوعد بالنصر . أو بين لهم وبلغهم الوعد بذلك لكن لم يبين لهم الوقت متى يكون ذلك ؛ ألا ترى أنهم أمروا بالخروج ولا يدرون إلى ما ذا يؤمرون . والثالث : يجوز أيضا أن بين لهم الوعد بالنصر وبلغهم ذلك ، غير أنهم خافوا ذلك وكرهوا خوف طبع وكراهة النفس لا كراهة الاختيار ، وجائز الخوف في مثل هذا وكراهة الطبع وإن كانوا على يقين بالنصر والظفر وتحقيق ذلك لهم . والرابع : يجوز أن يكون الوعد لهم بالنصر والظفر بالتضرع إليه والاستغاثة منه ، على ما يكون في الدعوات ، يكون شقاوة بعض ودخوله النار بمعاصي يرتكبها ، وسعادة آخر ودخوله الجنة بخيرات يأتي بها فيصير من أهلها . والخامس : جائز أن يكون ذلك من الله لهم محنة يمتحنهم بها كقوله : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ . . . الآية [ البقرة : 155 ] ، يحتمل معنى الآية الوجوه التي ذكرنا ، والله أعلم . ثم اختلف في قوله : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ . . . الآية ؛ قال بعضهم : هو صلة قوله : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ [ آل عمران : 123 ] . قالوا قوله : بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ألفان ، وقوله : بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ [ آل عمران : 124 ] فيكون خمسة آلاف مسومين . ومنهم من يقول : ثلاثة كان في أحد ؛ إذ ذكر على أثر قصة أحد ، فإن كان ما ذكروا
--> ( 1 ) في ب : بالنصر والظفر .